سكاي وورلد نيوز | وادي مجردة ليس مجرد نهر يعبر الشمال التونسي، بل أحد أهم مصادر المياه في البلاد، ومورد أساسي للشرب والري. لكن خلف هذه الأهمية تختبئ مشكلة بيئية تتفاقم منذ سنوات: مياه صرف، مخلفات صناعية وفلاحية، معادن ثقيلة وتلوث بكتيري تصل إلى الحوض ومجاريه.
وفق دراسة رسمية لوزارة البيئة التونسية حول برنامج تطهير حوض مجردة، يتم طرح حوالي 37 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المستعملة الحضرية والصناعية في حوض مجردة، وتمثل التصريفات الحضرية حوالي 87% من هذا الحجم. كما أن 51.3% من هذه التصريفات تتم في نقاط مباشرة، بينما تصل 48.3% بصورة منتشرة عبر التربة والمياه الجوفية.
لكن الأخطر هو حجم الحمولة الملوثة. فالدراسة الرسمية تقدر بنحو 60 ألف طن سنوياً من الطلب الكيميائي على الأكسجين (DCO)، أي كمية المواد العضوية والملوثات التي تحتاج إلى الأكسجين لكي تتحلل. وتشكل الأنشطة الصناعية الزراعية حوالي 63% من هذه الحمولة. أما DBO5، وهو مؤشر مهم على التلوث العضوي، فتبلغ كميته حوالي 21,600 طن سنوياً، منها 54.5% مرتبطة بالصناعات الفلاحية والغذائية. كما تصل المواد العالقة (MES) إلى حوالي 17,400 طن سنوياً، منها 47.5% من النشاط الصناعي والفلاحي الصناعي.
وتزداد الصورة خطورة عند الحديث عن المعادن الثقيلة. فقد كشفت دراسات علمية عن وجود الرصاص والزنك والكادميوم والنحاس والنيكل والكوبالت المرتبطة بمصب مجردة، مع اعتبار الرصاص والزنك والكادميوم من أبرز العناصر الملوثة. وترتبط هذه الملوثات، وفق الدراسات، خصوصاً بالأنشطة البشرية والتعدينية في حوض النهر.
وفي دراسة منشورة سنة 2022 حول جودة مياه ورواسب مجردة، وصلت الموصلية الكهربائية إلى 6440 ميكروسيمنز/سم في الفترة الجافة، والكلوريدات إلى حوالي 1325 ملغ/لتر، والمواد الصلبة الذائبة إلى أكثر من 5150 ملغ/لتر. والأكثر إثارة للقلق أن التحاليل سجلت مستويات مرتفعة جداً من التلوث البكتيري، حيث بلغت بكتيريا E. coli حوالي 7.59 × 10⁵ وحدة في 100 مل في الفترة الجافة، وفق نتائج الدراسة. كما خلص الباحثون إلى وجود تلوث شديد للرواسب بالرصاص والكادميوم.
ولا يتوقف الأمر عند المياه. فالرواسب الموجودة في نهاية النهر تحمل جزءاً من الذاكرة السامة لهذا التلوث. وقد بينت أبحاث على رواسب خليج تونس المتأثرة بمصب مجردة تراكم عناصر مثل الزنك والرصاص والنحاس، كما أظهرت دراسة أخرى أن مجردة يمثل مصدراً مهماً للرصاص والزنك والكادميوم والنحاس والنيكل والكوبالت نحو المنطقة الساحلية.
كما أظهرت دراسة أخرى حول صلاحية مياه مجردة للري وجود تركيزات مرتفعة من المغنيسيوم والصلابة الكلية، وسجلت الرواسب عامل تلوث بالكادميوم تراوح بين 3.33 و22.66، ما دفع الباحثين إلى التأكيد على ضرورة حماية النهر وروافده من مزيد من التدهور.
المشكلة إذن ليست في "ماء متسخ" يمكن رؤيته بالعين فقط. التلوث الأخطر قد يكون غير مرئي: معادن ثقيلة، مواد عضوية، بكتيريا، مبيدات وأسمدة ومخلفات صناعية يمكن أن تنتقل من المياه إلى الرواسب والتربة والسلسلة الغذائية.
وتكشف أرقام وزارة البيئة أن مصادر التلوث ليست جهة واحدة؛ فالحوض يستقبل مياه صرف حضرية وصناعية، إضافة إلى مخلفات النشاط الفلاحي، المبيدات والأسمدة، وكذلك ملوثات معدنية مرتبطة بمخلفات المناجم.
السؤال الذي تطرحه هذه الأرقام ليس فقط: لماذا تلوث مجردة؟ بل: إلى متى يمكن التعامل مع أحد أهم شرايين تونس المائية وكأن قدرته على تحمل التلوث بلا حدود؟
فكل متر مكعب ملوث لا يختفي عندما يصل إلى النهر، وكل طن من الملوثات لا ينتهي بمجرد اختلاطه بالماء. جزء منه يواصل طريقه نحو التربة، والرواسب، والمياه الجوفية، ثم نحو البحر. ولذلك فإن إنقاذ مجردة لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية ماء، فلاحة، صحة عامة وأمن غذائي.
ES
HE
SFR
AR
EN