سكاي وورلد نيوز | في تونس، قد يبدو مشهد الخبز المتروك في حاويات القمامة عابرًا، لكنه يخفي وراءه فاتورة اقتصادية وبيئية ثقيلة. فبحسب المعطيات التي نشرها المعهد الوطني للاستهلاك في إطار تشخيص ظاهرة التبذير الغذائي، تهدر الأسر التونسية في المتوسط نحو 42 كيلوغرامًا من الخبز سنويًا لكل أسرة، بما يعادل قرابة 900 ألف قطعة خبز يوميًا، أي ما يقارب 113 ألف طن سنويًا وفق التقديرات الرسمية المتداولة. وتُقدّر قيمة هذا الهدر بنحو 300 ألف دينار يوميًا، وحوالي 100 مليون دينار سنويًا.
الأرقام تصبح أكثر دلالة عندما نضعها في سياق الاستهلاك: حوالي 16% من الخبز الذي تشتريه الأسر يُهدر، ما يجعل الخبز من أكثر المواد الغذائية تعرضًا للتبذير في تونس.
لكن الخسارة لا تتوقف عند قيمة الخبز نفسه. فالرغيف الذي يصل إلى القمامة مرّ قبل ذلك عبر سلسلة كاملة من الموارد: الحبوب، والطحن، والماء، والطاقة، والنقل، والعمل، ثم التصنيع والتوزيع. وعندما يُرمى، تضيع معه الموارد التي استُهلكت لإنتاجه. وقد حذّر المعهد الوطني للاستهلاك في 2026 من أن الغذاء المهدور يعني أيضًا هدرًا للأراضي والمياه والطاقة وزيادة في الانبعاثات التي كان يمكن تجنبها.
وتزداد حساسية المسألة لأن الخبز مرتبط بمنظومة الدعم العمومي وبالأمن الغذائي. فالهدر لا يعني فقط أن المواطن اشترى منتجًا ولم يستهلكه، بل يعني أيضًا أن جزءًا من الموارد العمومية والمواد الأولية المستخدمة في هذه المنظومة لم يصل إلى غايته الأساسية.
والظاهرة ليست جديدة. فقد أظهرت دراسة للمعهد الوطني للاستهلاك أن الخبز كان منذ سنوات في صدارة المواد الغذائية التي تهدرها الأسر، بنسبة تقارب 16% من الكميات المشتراة. لكن استمرار تداول هذه الأرقام في 2026، بالتزامن مع إعداد تونس استراتيجية وطنية لمكافحة التبذير الغذائي، يعيد طرح السؤال: ماذا تغيّر على أرض الواقع؟
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن قيمة التبذير الغذائي في تونس ككل تُقدّر بحوالي 570 مليون دينار سنويًا، فيما يمثل الخبز وحده نحو 100 مليون دينار من هذه الخسائر وفق التقديرات التي نقلها المعهد الوطني للاستهلاك.
والأكثر إثارة للانتباه أن هدر الخبز يرتفع خلال شهر رمضان؛ إذ تشير المعطيات نفسها إلى أن نسبة هدر الخبز خلال الشهر تبلغ حوالي 46%، في ظل زيادة إعداد الطعام والشراء بكميات تفوق الحاجة.
في يونيو 2026، كانت تونس تعمل على وضع استراتيجية وطنية لمكافحة التبذير الغذائي، بمشاركة هياكل الدولة والمجتمع المدني وخبراء، بهدف وضع خطة عمل وآليات للمتابعة والتقييم. وهذا يعني أن الدولة بدأت تتعامل مع الهدر باعتباره قضية اقتصادية وبيئية واجتماعية، وليس مجرد سلوك فردي.
لكن التحقيق الحقيقي يبدأ من هنا: من أين يأتي الـ900 ألف رغيف الذي يُهدر يوميًا؟ كم منه يُرمى في المنازل؟ وكم يضيع في المخابز والمطاعم والمتاجر؟ وما حجم الخبز غير المباع الذي يمكن إعادة توزيعه أو تثمينه بدل إرساله إلى المصبات؟
ثم هناك سؤال أكثر حساسية: كم تدفع الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مقابل إنتاج خبز سينتهي جزء منه في القمامة؟
فالخبز الذي يُرمى ليس مجرد بقايا طعام. إنه قمح تحوّل إلى دقيق، وماء وطاقة وعمل ونقل ودعم، قبل أن يتحول في النهاية إلى نفاية.
وفي بلد يواجه ضغوطًا على موارده المائية وميزانيته وأمنه الغذائي، قد لا تكون المشكلة في كمية الخبز التي تنتجها تونس فقط، بل في كمية الخبز التي تنتجها ثم تدفع ثمنها مرة أخرى عندما تتحول إلى نفايات.
900 ألف قطعة يوميًا ليست مجرد أرقام؛ إنها جرس إنذار حول طريقة إنتاج الخبز واستهلاكه ودعمه والتعامل معه بعد أن يصبح فائضًا.