اختر لغتك

الحبوب التونسية في مهبّ التبعية: هل نخسر بذورنا لحساب الربح السريع؟

الحبوب التونسية في مهبّ التبعية: هل نخسر بذورنا لحساب الربح السريع؟

سكاي وورلد نيوز | تواجه الحبوب التونسية الأصيلة تحدياً صامتاً يتمثل في تراجع حضور بعض الأصناف المحلية أمام أصناف هجينة ومستوردات تُقدَّم باعتبارها أكثر إنتاجية وتجانساً وأسهل في التصنيع الآلي. ومن منظور اقتصادي، يبدو الخيار مغرياً للفلاح والمصنع: إنتاج أكبر، محصول أكثر توحيداً، وتكاليف تصنيع قد تكون أقل. لكن خلف هذه المعادلة التجارية تختبئ أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل الزراعة والسيادة الغذائية في تونس.
 
فالأصناف الهجينة الحديثة قد تكون مرتبطة بنظم إنتاج تعتمد بصورة أكبر على المدخلات الزراعية، من أسمدة ومبيدات ومياه للري، كما أن بعض البذور التجارية لا تعطي بالضرورة نفس الصفات عند إعادة زراعتها، ما يدفع الفلاح إلى شراء بذور جديدة في كل موسم. ومع ارتفاع أسعار المدخلات، يمكن أن يتحول السعي إلى رفع الإنتاج إلى دائرة من التكاليف والاعتماد الاقتصادي.
في المقابل، تحمل الأصناف المحلية القديمة قيمة لا تُقاس فقط بكمية الإنتاج. فقد تكيفت عبر أجيال مع المناخ والتربة والظروف الزراعية المحلية، وتتميز بعض السلالات بقدرة أفضل على تحمل الجفاف والحرارة وقلة المياه. وهذه الصفات تصبح أكثر أهمية في بلد يواجه ضغوطاً متزايدة على موارده المائية وتغيراً في الظروف المناخية.
 
لكن الدفاع عن البذور المحلية لا يعني رفض التطور العلمي أو العودة إلى الزراعة التقليدية بشكل كامل. القضية الحقيقية هي تحقيق توازن بين تحسين الإنتاج والحفاظ على التنوع الوراثي المحلي. فاختفاء صنف زراعي قد يكون خسارة لا يمكن تعويضها، لأن البذور التي تبدو اليوم أقل مردودية قد تحمل غداً جينات ضرورية لمقاومة الجفاف أو الأمراض أو ارتفاع درجات الحرارة.
المشكلة إذن ليست في البذور الهجينة بحد ذاتها، بل في أن تتحول الزراعة إلى نموذج يجعل الفلاح أكثر اعتماداً على بذور ومدخلات لا يملك التحكم في مصدرها وأسعارها. فحين تصبح البذور، والماء، والأسمدة، والمبيدات حلقات متصلة في سلسلة واحدة، يصبح هامش استقلال الفلاح أضيق، وتصبح كلفة الإنتاج أكثر حساسية لتقلبات السوق.
 
الحفاظ على الحبوب التونسية الأصيلة يجب لذلك أن يكون جزءاً من استراتيجية وطنية للأمن والسيادة الغذائية، عبر جمع البذور المحلية وحفظها، ودعم البحث العلمي لتطويرها، وتشجيع الفلاحين على زراعتها وتحسين مردوديتها دون القضاء على خصائصها الطبيعية.
فالمعركة ليست بين «بذور قديمة» و«بذور حديثة»، بل بين نموذج زراعي يحافظ على خيارات المستقبل، وآخر قد يربح موسماً لكنه يخسر التنوع الذي تحتاجه الأجيال القادمة. وفي زمن الجفاف وتغير المناخ، قد تصبح البذرة التي اعتبرناها قليلة الإنتاج اليوم، واحدة من أهم أدوات إنقاذ غذائنا غداً.

Related Articles