سكاي وورلد نيوز | تونس العاصمة — ستون عاماً من العراقة الفنية والريادة الإقليمية تبخرت دفعة واحدة على مدرجات المسرح الأثري الروماني بقرطاج، ليتحول هذا الصرح التاريخي الذي صنع مجد فيروز وأزنافور إلى منصة تجارية مستباحة ومجانية العمق، تديرها خوارزميات "التيك توك" وتتحكم فيها حسابات الربح المالي السريع. إن ما يحدث اليوم في الدورة الستين للمهرجان ليس مجرد كبوة تنظيمية عابرة، بل هي جريمة مكتملة الأركان في حق الذوق العام، وإعلان رسمي عن سقوط الدبلوماسية الثقافية التونسية في فخ الارتجال والرداءة الاستهلاكية، بعد أن أصبحت أرقام المشاهدات الافتراضية وصناع المحتوى السطحي هي المعيار الأول والوحيد لاعتلاء الركح الذي كان يهابه كبار مبدعي العالم.
وتكشف الأرقام الصادرة عن الهيئة المديرة للمهرجان عمق الهوة التي تفصل بين تاريخ التظاهرة وواقعها الحالي؛ فالميزانية الإجمالية التي بلغت نحو 3.5 مليون دينار تونسي، والمدعومة من المال العام ودافعي الضرائب، لم تنجح في تقديم أكثر من 20 سهرة فنية فقط امتدت على مدار شهر كامل. هذه الحصيلة الهزيلة كمّاً وكيفاً، والتي غابت عنها الأعمال السيمفونية والأوبرالية الكبرى، تبرز كيف عجز المهرجان عن استقطاب إنتاجات حصرية تليق بذكرى تأسيسه، واكتفى بالاعتماد على عروض شبابية تجارية مستهلكة لا تترك أي أثر فني، مستبعداً 77 مطلب ترشح فني استقبلتها الإدارة، ليكون الفرز لصالح المنطق التجاري البحت على حساب العمق الإبداعي.
إن الطامة الكبرى التي تثير غضب الشارع التونسي والنخب الفنية هي سياسة البذخ الموجهة للخارج بالعملة الصعبة، حيث يستنزف المهرجان مئات الآلاف من الدولارات لدفع أجور خيالية لأسماء تجارية عربية وأجنبية لا تقدم قيمة مضافة، في الوقت الذي تفرض فيه شروط مالية مجحفة ومهينة على المبدع التونسي. هذا التهميش الممنهج للفنان المحلي يأتي بالرغم من أن العروض الوطنية، مثل عرض الافتتاح "تحت الياسمين"، هي التي تشكل العمود الفقري للهوية الثقافية للمهرجان، مما يعكس غياب أي رؤية استراتيجية لدى وزارة الإشراف، التي تركت المهرجان رهينة للمضاربات والسوق السوداء وتفشي سماسرة التذاكر عبر المنصات الرقمية، ليصبح الفن الراقي سلعة نادرة يعجز المواطن التونسي البسيط عن مواكبتها.
لقد تراجع مهرجان قرطاج خطوات إلى الوراء في التصنيف الإقليمي والعربي، تاركاً الساحة لمهرجانات ناشئة عرفت كيف توظف إمكانياتها، بينما يصر القائمون على الثقافة في تونس على التعامل مع هذا القطاع السيادي كأنه مجرد كشك ترفيهي موسمي. إن إنقاذ ما تبقى من هيبة قرطاج لن يمر عبر مساحيق التجميل أو التبريرات الإدارية الواهية، بل يتطلب ثورة هيكلية فورية تضمن استقلالية المهرجان مالياً وفنياً عن الضغوط السياسية والتجارية، وإعادة تفعيل لجان فرز نقدية صارمة تفصل فصلاً تاماً بين خيارات شباك التذاكر المباشرة وبين القيمة الفنية الحقيقية، وإلا فإن المهرجان العريق سيتحول قريباً إلى مجرد ذكرى باهتة في تاريخ بلد فرط في سيادته الإبداعية من أجل "بوز" افتراضي زائل.
ES
HE
SFR
AR
EN