سكاي وورلد نيوز | لم تعد الثقافة في تونس مجرد مساحة للترفيه أو تنظيم العروض والمهرجانات، بل أصبحت، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، ورقة أساسية يمكن أن تساهم في إدماج الشباب وفتح آفاق جديدة أمامه. ومن هذا المنطلق، انطلقت ورشات التفكير الخاصة بإعداد خارطة طريق مشروع «مغرومين» (Maghroumin)، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى وضع تصور مستقبلي يجعل من الثقافة محركًا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للشباب التونسي.
المشروع يأتي في مرحلة تحتاج فيها تونس إلى إعادة التفكير في علاقتها بالشباب. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالبطالة أو محدودية الفرص الاقتصادية، وإنما تمتد إلى الإحساس بالتهميش، وضعف المشاركة في الحياة العامة، واتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات، إضافة إلى التفاوت الكبير بين الجهات في الوصول إلى الفضاءات الثقافية وفرص التكوين والإبداع.
في هذا السياق، يمكن للثقافة أن تتحول من نشاط ثانوي إلى أداة حقيقية للتنمية. فالموسيقى والسينما والمسرح والفنون البصرية والتراث والصناعات الإبداعية والقطاع الرقمي يمكن أن تخلق فرصًا للعمل، وتمنح الشباب إمكانية تحويل مواهبهم وأفكارهم إلى مشاريع قابلة للحياة.
لكن نجاح «مغرومين» لن يقاس بعدد الورشات أو اللقاءات التي سيتم تنظيمها، وإنما بقدرته على إنتاج تغيير ملموس في حياة الشباب. فالشاب في الجهات الداخلية لا يحتاج فقط إلى الحديث عن الثقافة، بل يحتاج إلى فضاء مجهز، وتكوين، وتمويل، ومرافقة، وفرصة حقيقية لتحويل موهبته إلى مشروع.
والتحدي الأكبر هو ألا تبقى الثقافة مركزة في المدن الكبرى. تونس تمتلك ثراءً ثقافيًا هائلاً في مختلف جهاتها، من الشمال إلى الجنوب، لكن جزءًا كبيرًا من هذا الرصيد لا يجد دائمًا الإمكانيات الضرورية لكي يتحول إلى مشاريع مستدامة. لذلك فإن أي استراتيجية ثقافية ناجحة يجب أن تنطلق من الواقع المحلي وأن تستمع إلى الشباب أنفسهم، لا أن تكتفي بصياغة سياسات مركزية بعيدة عن احتياجاتهم.
كما أن إشراك الشباب في صياغة هذه الاستراتيجية يمثل نقطة أساسية. فالشباب ليس مجرد مستفيد من مشروع ثقافي، بل يجب أن يكون شريكًا في تحديد أولوياته واتجاهاته. ومن الصعب بناء سياسة ثقافية مستقبلية من دون معرفة ما الذي يريده الشباب، وما الذي يمنعهم من الإبداع، وما الذي يدفع بعضهم إلى التخلي عن أحلامهم أو البحث عن مستقبلهم خارج مناطقهم، وأحيانًا خارج تونس.
والرهان لا يتعلق فقط بالاقتصاد. الثقافة يمكن أن تكون أيضًا وسيلة لاستعادة الإحساس بالانتماء. ففي مجتمع تتزايد فيه مظاهر العزلة والتوتر والفجوة بين الأجيال، يمكن للفن والإبداع أن يفتحا مساحات للحوار والتعبير والمشاركة، وأن يعيدا للشباب شعورهم بأن لهم مكانًا وصوتًا ودورًا في المجتمع.
الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن توفر دعمًا وخبرة وإمكانيات مهمة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في ضمان استمرارية هذه الديناميكية داخل تونس. فلا يمكن أن تكون المشاريع الثقافية رهينة التمويلات الظرفية أو البرامج المحدودة زمنيًا. المطلوب هو بناء منظومة وطنية قادرة على مواصلة العمل، وربط الثقافة بالتعليم والتكوين والتشغيل والتنمية المحلية.
«مغرومين» إذن أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تونس أن تنتقل من التعامل مع الثقافة باعتبارها نشاطًا مناسباتيًا إلى اعتبارها جزءًا من استراتيجية وطنية للتنمية؟
إذا نجح المشروع في الوصول إلى الشباب في مختلف الجهات، ومنحهم أدوات حقيقية للإبداع والعمل والمشاركة، فقد تتحول الثقافة إلى أكثر من مجرد قطاع فني. قد تصبح وسيلة لمقاومة التهميش، وخلق فرص جديدة، وإعادة بناء العلاقة بين الشباب وبلادهم.
فتونس لا تعاني من نقص في المواهب والأفكار. ما ينقص الكثير من شبابها هو المساحة والفرصة والإمكانيات.
وربما يكون الاستثمار الحقيقي في مستقبل تونس هو أن نمنح شبابها سببًا جديدًا للبقاء، ووسيلة جديدة للإبداع، ودورًا حقيقيًا في صناعة الغد.
ES
HE
SFR
AR
EN