اختر لغتك

الذكاء الاصطناعي في تونس: من يراقب فاتورة المياه خلف الاستثمار الرقمي؟ بين وعود الزراعة الذكية ومشاريع مراكز البيانات، تبرز أسئلة حول استهلاك المياه والطاقة والشفافية البيئية.

الذكاء الاصطناعي في تونس: من يراقب فاتورة المياه خلف الاستثمار الرقمي؟ بين وعود الزراعة الذكية ومشاريع مراكز البيانات، تبرز أسئلة حول استهلاك المياه والطاقة والشفافية البيئية.

سكاي وورلد نيوز | سكاي بلانيت | تراهن تونس على تطوير اقتصادها الرقمي وتعزيز الأمن الغذائي في وقت تواجه فيه مواردها المائية ضغوطًا متزايدة. لكن مع ظهور مشاريع جديدة للبنية التحتية الرقمية، يبرز سؤال استراتيجي: كيف يمكن ضمان أن يخدم التحول التكنولوجي مصالح البلاد، من دون إضافة ضغوط غير محسوبة على مواردها الطبيعية؟
في 17 أكتوبر 2025، عرضت الهيئة التونسية للاستثمار قطاع مراكز البيانات باعتباره مجالًا واعدًا للاستثمار والتحول الرقمي. وفي بنزرت، أُعلن مطلع سنة 2026 عن مشروع مركز بيانات مخصص للحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي بقدرة مخططة تبلغ 20 ميغاواط، بالشراكة بين SoleCrypt وSchneider Electric. ويُطرح المشروع ضمن توجه نحو الطاقة الشمسية وتقنيات التبريد ذات البصمة المائية المنخفضة. غير أن الإعلان عن مشروع أو عن تقنيات مستدامة لا يعادل إثبات نتائجه البيئية الفعلية، كما أن الاتفاق المعلن لا يعني بالضرورة أن المنشأة دخلت مرحلة التشغيل.
 
المسألة تستحق التدقيق، لا إطلاق الاتهامات. فمراكز البيانات تحتاج إلى الكهرباء، وقد تحتاج إلى المياه مباشرة للتبريد، إضافة إلى المياه المرتبطة بصورة غير مباشرة بإنتاج الطاقة. ويتوقف حجم الاستهلاك على تصميم المنشأة ومناخ المنطقة وتقنيات التبريد ومصدر الكهرباء وحجم الحوسبة المستخدمة.
في المقابل، يقدم الذكاء الاصطناعي إمكانات مهمة للقطاع الزراعي. إذ يمكن أن يساعد على تحديد احتياجات المحاصيل من الري، ومراقبة رطوبة التربة، والتنبؤ بالجفاف، وتحسين إدارة الموارد المائية. لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب تقييمًا ميدانيًا يثبت مقدار المياه التي تم توفيرها فعلًا، بدل الاكتفاء بالوعود التقنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في تونس، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى وجود فجوة هيكلية بين العرض والطلب على المياه، تتفاقم بفعل التغير المناخي والتفاوت في التساقطات واستنزاف المياه الجوفية. كما يظل القطاع الزراعي من أكبر مستخدمي المياه في البلاد.
من هنا، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مواجهة بين التكنولوجيا والزراعة، بل إلى مساءلة حول كيفية توزيع الموارد وتحديد الأولويات. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على مساعدة الفلاح على الاقتصاد في مياه الري، فمن حق المجتمع أيضًا أن يعرف الموارد التي تحتاجها البنية التحتية الرقمية التي تتيح هذه التكنولوجيا.
 
وتتمثل الأسئلة الأساسية في معرفة حجم المياه الذي ستستهلكه مشاريع مراكز البيانات في تونس، ومصدر هذه المياه، ومدى اعتمادها على المياه الصالحة للشرب أو الموارد غير التقليدية، فضلًا عن كمية الكهرباء المطلوبة، والآثار المتوقعة على المناطق المحيطة. كما ينبغي نشر مؤشرات الاستهلاك الفعلي بعد بدء التشغيل، وإخضاع المشاريع لمتابعة بيئية مستقلة.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحديد المستفيدين من هذه الاستثمارات: هل ستساهم في تطوير البحث العلمي والخدمات المحلية ودعم المؤسسات التونسية، أم ستقتصر القيمة المضافة أساسًا على توفير قدرة حوسبة لأسواق خارجية؟ هذا السؤال لا ينتقص من أهمية الاستثمار الأجنبي، بل يضعه في إطار السيادة الاقتصادية والشفافية والمصلحة العامة.
إن تونس ليست مطالبة برفض الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مطالبة أيضًا بقبول أي مشروع رقمي لمجرد أنه يحمل شعار الابتكار أو الاستدامة. فالتنمية الحقيقية تقاس بما تضيفه إلى الاقتصاد والمجتمع، وبقدرتها على احترام حدود الموارد الطبيعية.
في بلد أصبحت فيه كل قطرة ماء ذات قيمة، لا يكفي أن نعرف حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ بل يجب أن نعرف أيضًا حجم موارده المستهلكة، وعائده الحقيقي، ومن يضمن ألا تكون كلفة المستقبل الرقمي على حساب الأمن المائي والغذائي للتونسيين.

Related Articles