اختر لغتك

«بعد المساعدة… ماذا يبقى؟ الفجوة الخفية بين الإغاثة والتنمية»

«بعد المساعدة… ماذا يبقى؟ الفجوة الخفية بين الإغاثة والتنمية»

سكاي وورلد نيوز | عندما يواجه الإنسان كارثة أو أزمة مفاجئة، لا يمكن الحديث معه عن مشروع طويل الأمد قبل تأمين احتياجاته الأساسية. هنا تأتي الإغاثة: غذاء، ماء، مأوى، رعاية صحية أو تحويلات مالية عاجلة، هدفها حماية الإنسان من آثار الأزمة في اللحظة التي تحدث فيها.
 
لكن الإغاثة، مهما كانت ضرورية، لا تعني بالضرورة أن المشكلة انتهت.
التنمية تبدأ من السؤال التالي: ماذا سيحدث لهذا الإنسان بعد انتهاء المساعدة؟
الفرق بين المسارين واضح. الإغاثة تتعامل أساساً مع الحاجة العاجلة، بينما تحاول التنمية معالجة أسباب الهشاشة من خلال التعليم والتكوين، خلق فرص العمل، دعم المشاريع، التمويل، البنية التحتية وربط الناس بالأسواق والخدمات.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي. فوفق البنك الدولي، ما زال نحو ملياري شخص في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل غير مغطّين أو غير مغطّين بشكل كافٍ بالحماية الاجتماعية. وفي البلدان منخفضة الدخل، لا يحصل 3 أشخاص من كل 4 على أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية.
 
وفي الوقت نفسه، أظهرت التجارب أن الحماية الاجتماعية يمكن أن تكون أكثر من مجرد مساعدة مؤقتة. فبرامج الإدماج الاقتصادي التي تجمع بين المال أو الأصول والتدريب والوصول إلى الأسواق رفعت دخل الأسر أو عائدات أعمالها بما يصل إلى 45% في بعض البرامج التي استعرضها البنك الدولي.
وتونس تقدم مثالاً عملياً على هذا الانتقال. ففي إطار مشروع دعم التنمية الاجتماعية، استفادت أكثر من 895 ألف أسرة من تحويلات نقدية طارئة خلال فترة كوفيد-19، فيما توسعت التحويلات النقدية الدائمة ضمن برنامج «أمان» لتشمل أكثر من 386 ألف أسرة، إضافة إلى منح عائلية لأكثر من 150 ألف طفل بين صفر و5 سنوات. وفي مارس 2026 وافق البنك الدولي على تمويل إضافي بقيمة 90 مليون دولار لتعزيز نظام الحماية الاجتماعية وفتح مسارات أفضل نحو سبل العيش.
 
هذه الأرقام تكشف أن المساعدة الاجتماعية يمكن أن تكون شبكة أمان مهمة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر: كيف ننتقل من حماية الأسرة من السقوط إلى مساعدتها على الوقوف؟
على المستوى الدولي، تبدو المسألة أكثر وضوحاً في الدول الهشة. ففي عام 2023، بلغ التمويل الإنساني المقدم من مانحين تابعين للجنة المساعدة الإنمائية وشركائهم متعددي الأطراف إلى السياقات ذات الهشاشة العالية أو الشديدة 19.4 مليار دولار، مقابل 60.9 مليار دولار للمساعدات التنموية و8 مليارات دولار للسلام. وتشير منظمة التعاون والتنمية إلى أن المساعدات الإنسانية ارتفعت، بينما تراجعت حصة تمويل التنمية والسلام في هذه السياقات منذ 2020.
المشكلة إذن ليست في وجود الإغاثة، بل في غياب الجسر أحياناً بين الإغاثة والتنمية.
فأسرة تحصل على الغذاء تحتاج إلى أن تصل لاحقاً إلى مصدر دخل. والشاب الذي يتلقى مساعدة يحتاج أيضاً إلى مهارة وفرصة عمل. والمرأة التي تحصل على دعم مالي قد تحتاج إلى تدريب وتمويل وسوق حتى يتحول الدعم إلى نشاط اقتصادي مستدام. والمنطقة التي تتلقى مساعدات بعد كارثة تحتاج في الوقت نفسه إلى بنية تحتية تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الكارثة التالية.
ولهذا، فإن قياس نجاح البرامج لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: كم عدد الأشخاص الذين تلقوا المساعدة؟ بل يجب أن يضيف أسئلة أكثر عمقاً: كم شخصاً خرج من دائرة الحاجة؟ كم مشروعاً استمر بعد انتهاء التمويل؟ كم وظيفة أُحدثت؟ وهل أصبح المستفيد أكثر قدرة على مواجهة أزمة جديدة دون العودة إلى نقطة الصفر؟
الإغاثة تمنع الإنسان من السقوط في لحظة الأزمة، أما التنمية فتهدف إلى تقليل أسباب السقوط وبناء القدرة على الاستمرار.
وفي عالم تتكرر فيه الأزمات الاقتصادية والمناخية والإنسانية، لم يعد كافياً أن نصل إلى الناس عندما تقع الكارثة. التحدي الحقيقي هو أن نبدأ، منذ لحظة الإغاثة، في بناء الطريق الذي يجعلهم أقل اعتماداً عليها في المرة القادمة.

Related Articles