اختر لغتك

الماء والكهرباء في تونس: أزمة حقيقية أم رواية تُخفي أزمة أعمق؟

الماء والكهرباء في تونس: أزمة حقيقية أم رواية تُخفي أزمة أعمق؟

في تونس، لم يعد انقطاع الماء أو الكهرباء حادثًا استثنائيًا ينتظر المواطن تفسيره، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية في عدد من المناطق. لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة ليس فقط: لماذا تنقطع المياه والكهرباء؟ بل: ما الذي يحدث فعلاً خلف هذه الانقطاعات؟
 
السلطات تتحدث عن أزمة مرتبطة بالضغط الكبير على الشبكات وارتفاع درجات الحرارة، وفي الأيام الأخيرة ذهب رئيس الجمهورية أبعد من ذلك عندما تحدث عن أعمال تخريب «مدبّرة» تقف وراء بعض الانقطاعات. في المقابل، تطرح أصوات أخرى سؤالًا مختلفًا: هل نحن أمام تخريب فعلي، أم أمام بنية تحتية تعاني منذ سنوات من التقادم ونقص الصيانة والاستثمار؟
 
المفارقة الأكثر إثارة أن تونس دخلت صيف 2026 بوضع مائي أفضل بكثير من السنوات السابقة. فقد بلغ معدل امتلاء السدود حوالي 60% في جوان، بعد موسم أمطار حسّن المخزون المائي بصورة واضحة. ومع ذلك استمرت انقطاعات المياه في عدد من المناطق.
 
هذه المفارقة تستحق التحقيق: إذا كانت المياه متوفرة نسبيًا في السدود، فلماذا يصل المواطن إلى الحنفية ولا يجد الماء؟
 
الجواب قد لا يكون في السدود وحدها. فشبكة توزيع المياه تعتمد على الكهرباء بشكل كبير؛ وتشير معطيات منشورة إلى اعتماد منظومة «سونيد» على نحو 1500 محطة ضخ وحوالي 1200 بئر عميق مرتبطة بالشبكة الكهربائية. وعندما ينقطع التيار، تتوقف المضخات، وتنخفض خزانات التوزيع، فيجد المواطن نفسه أمام انقطاع في الماء سببه المباشر انقطاع الكهرباء.
 
هنا تبدأ الحلقة المفرغة: حرارة مرتفعة ترفع استهلاك الكهرباء، ارتفاع الاستهلاك يضغط على الشبكة، اضطراب الكهرباء يوقف محطات الضخ، توقف الضخ يؤدي إلى اضطراب توزيع المياه، ثم يصبح نقص الماء نفسه جزءًا من الأزمة.
لكن هل الحرارة وحدها تفسر كل شيء؟
 
البيانات تقول إن موجات الحر كانت فعلًا قاسية، وأن التبخر من السدود ارتفع بشكل كبير، إذ تم تسجيل فقدان أكثر من سبعة ملايين متر مكعب بالتبخر خلال عشرة أيام في إحدى موجات الحر الأخيرة. ومع ذلك، كانت الموارد المائية في بداية الصيف أفضل بكثير من العام السابق.
 
وهنا تظهر فرضية ثالثة أكثر واقعية من ثنائية «الجفاف أو المؤامرة»: هل تعاني تونس من أزمة بنية تحتية وإدارة للموارد أكثر مما تعاني من أزمة مياه فقط؟
فامتلاء السدود لا يعني بالضرورة أن كل قطرة ماء يمكن إيصالها بسهولة إلى المواطن. هناك شبكات قديمة، تسربات، تفاوت جغرافي بين مناطق البلاد، محطات ضخ، خطوط نقل، تجهيزات كهربائية، وصيانة تحتاج إلى استثمارات مستمرة. وقد أقرت الحكومة نفسها في اجتماع حديث بالحاجة إلى تجديد البنية التحتية المتدهورة، وتحسين مردودية شبكات النقل والتوزيع، واعتماد أنظمة للكشف المبكر عن التسربات.
 
أما فرضية التخريب، فهي تحتاج إلى شيء أبسط وأكثر قوة من التصريحات: الأدلة.
 
إذا كانت هناك أعمال تخريب فعلًا، فأين وقعت؟ ما المنشآت المستهدفة؟ ما طبيعة الأعطاب؟ هل توجد محاضر فنية؟ هل تم تحديد المتسببين؟ هل هناك صور أو تسجيلات أو تقارير خبراء؟ وهل تكررت الأعطاب في نقاط استراتيجية بطريقة يستحيل تفسيرها بالخلل التقني؟
 
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في الدولة، بل هي جوهر العمل الصحفي.
 
فالصحافة لا يفترض أن تصدق رواية السلطة أو رواية المعارضة مسبقًا. مهمتها أن تسأل: ماذا حدث؟ أين؟ متى؟ لماذا؟ ومن المستفيد؟ وما الدليل؟
وفي المقابل، إذا كانت المشكلة تقنية بالأساس، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجًا: لماذا لم تتم معالجة هذه الأعطاب قبل الوصول إلى مرحلة قطع الكهرباء والماء عن المواطنين؟
 
الأخطر أن المواطن يجد نفسه في الحالتين يدفع الثمن: سواء كان السبب جفافًا، أو شبكة متهالكة، أو سوء إدارة، أو ضغطًا استثنائيًا على الاستهلاك، أو حتى تخريبًا متعمدًا.
 
هنا تبدأ الحلقة المفرغة: حرارة مرتفعة ترفع استهلاك الكهرباء، ارتفاع الاستهلاك يضغط على الشبكة، اضطراب الكهرباء يوقف محطات الضخ، توقف الضخ يؤدي إلى اضطراب توزيع المياه، ثم يصبح نقص الماء نفسه جزءًا من الأزمة.
 
لكن هل الحرارة وحدها تفسر كل شيء؟
 
البيانات تقول إن موجات الحر كانت فعلًا قاسية، وأن التبخر من السدود ارتفع بشكل كبير، إذ تم تسجيل فقدان أكثر من سبعة ملايين متر مكعب بالتبخر خلال عشرة أيام في إحدى موجات الحر الأخيرة. ومع ذلك، كانت الموارد المائية في بداية الصيف أفضل بكثير من العام السابق.
وهنا تظهر فرضية ثالثة أكثر واقعية من ثنائية «الجفاف أو المؤامرة»: هل تعاني تونس من أزمة بنية تحتية وإدارة للموارد أكثر مما تعاني من أزمة مياه فقط.
الأخطر أن المواطن يجد نفسه في الحالتين يدفع الثمن: سواء كان السبب جفافًا، أو شبكة متهالكة، أو سوء إدارة، أو ضغطًا استثنائيًا على الاستهلاك، أو حتى تخريبًا متعمدًا.
 
لذلك فإن التحقيق الحقيقي يجب ألا يبحث عن «عدو» فقط، بل عن سلسلة المسؤوليات كاملة: من إنتاج الكهرباء إلى نقلها وتوزيعها، ومن تخزين المياه إلى ضخها ونقلها، وصولًا إلى الحنفية والمقبس الكهربائي في منزل المواطن.
 
في النهاية، قد لا تكون القضية: هل هناك أزمة أم تغطية؟ بل ربما السؤال الأخطر هو: هل أصبحت الأزمات الحقيقية نفسها غطاءً لأزمة أكبر في إدارة البنية التحتية والخدمات الأساسية في تونس؟
 
والإجابة لن تكون في البيانات الرسمية وحدها، ولا في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما في الوثائق الفنية، أرقام الإنتاج والاستهلاك، سجلات الأعطاب، تقارير الصيانة، كلفة الاستثمارات، نسب ضياع المياه، وحقيقة ما جرى في كل منطقة شهدت انقطاعًا.
 
 
21.9% من الطاقة الكهربائية المتاحة ضاعت في النقل والتوزيع سنة 2024.
 
هذا الرقم يفتح سؤالًا أقوى من مجرد «هل هناك أزمة كهرباء؟»:
إذا كانت تونس تخسر أكثر من خمس الطاقة المتاحة في الشبكة، فإلى أي حد تعود الأزمة إلى نقص الإنتاج، وإلى أي حد تعود إلى خسائر الشبكة والربط غير القانوني؟ 
 
وفي أوت 2026، تقول STEG إن الاستهلاك بلغ حوالي 5,000 MW في ساعات الذروة، بينما يطرح الاتحاد النقابي رقمًا يصل إلى 2,000 MW كعجز. الفرق بين الرقمين يحتاج إلى تفسير رسمي وتقني، وهو بالضبط ما يمكن أن يحوله لتحقيق.
 
كما أن صفحة الشركة التونسية الرسمية تُظهر إشعارات انقطاع في تونس الكبرى والشمال والشمال الغربي والوسط وصفاقس والجنوب والجنوب الغربي يوم 26 أوت، ما يؤكد أن الانقطاعات لم تكن محصورة في منطقة واحدة.

Related Articles