سكاي وورلد نيوز الاخبارية | مصر تريد توسيع نفوذها الأفريقي والإقليمي. الجزائر تتحرك بثقة أكبر خارج حدودها. وليبيا تبقى الساحة التي تتقاطع فيها مصالح الجميع.
الخطر ليس بالضرورة أن «تتآمر» دولة على تونس.
الخطر يمكن أن يكون أكثر هدوءًا:
أن تُبنى شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار من دون تونس.
أن تتوسع طرق تجارية جديدة وتتجاوز الموانئ التونسية.
أن تصبح ليبيا مرتبطة اقتصاديًا بمحاور أخرى.
أن تتحول الحدود التونسية–الليبية إلى ملف أمني أكثر منه اقتصاديًا.
وأن تجد تونس نفسها بعد سنوات أمام واقع إقليمي جديد لم تشارك بما يكفي في صياغته.
تحركات دبلوماسية متتالية، تقارب مصري–جزائري يتخذ طابعًا أكثر استراتيجية، نشاط متزايد حول الملف الليبي، وتحولات اقتصادية وأمنية تمتد من المتوسط إلى الساحل. وفي وسط هذه الخريطة تقف تونس، الدولة الأصغر جغرافيًا بين ثلاث دوائر متداخلة: الجزائر غربًا، ليبيا شرقًا، ومصر على الضفة المقابلة من المتوسط.
هل نحن أمام مجرد تنسيق طبيعي بين دول الجوار؟ أم أن ميزان النفوذ الإقليمي يتغير بطريقة يمكن أن تجعل تونس الطرف الأضعف؟
المعطيات المتوفرة لا تسمح بالقول إن مصر والجزائر تعملان ضد تونس، ولا توجد أدلة علنية تثبت وجود خطة لتطويقها. بل إن الوقائع الرسمية تقول شيئًا أكثر تعقيدًا.
ففي 21 مايو 2026، استضافت القاهرة اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس في إطار آلية دول الجوار الثلاثية بشأن ليبيا. الاجتماع ركز على الحل السياسي الليبي، الانتخابات، خروج القوات الأجنبية والمرتزقة، والتنسيق الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
وقبل ذلك، استضافت تونس في يناير اجتماعًا للآلية نفسها.
إذن، تونس ليست خارج المعادلة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تونس موجودة؟
السؤال هو: من يملك الوزن الأكبر داخل هذه المعادلة؟
ليبيا هي المفتاح.
فكلما ازداد الصراع على مستقبل ليبيا، ازدادت أهمية الدول التي تستطيع التأثير في أمنها وحدودها واقتصادها. مصر تملك حدودًا مباشرة مع ليبيا ونفوذًا سياسيًا وأمنيًا مهمًا في الملف الليبي. الجزائر تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءًا من أمنها الإقليمي المباشر. أما تونس، فتدفع ثمن الأزمة الليبية اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا، لكنها لا تملك الموارد والنفوذ اللذين تملكهما القوتان الأكبر.
وهنا تظهر المفارقة.
الدولة التي تدفع جزءًا كبيرًا من فاتورة الأزمة قد لا تكون الدولة التي تحدد قواعد اللعبة.
وفي الأشهر الأخيرة، اتجهت الجزائر أيضًا إلى توسيع حضورها الإقليمي، بما في ذلك استخدام الطاقة والتعاون الاقتصادي كأدوات نفوذ في أفريقيا. وتشير تحليلات إقليمية إلى أن الجزائر تحاول تثبيت موقع أكثر تأثيرًا في ملفات الطاقة وليبيا والساحل.
أما مصر، فتواصل بناء شبكة من العلاقات والشراكات الإقليمية، وتعتبر ليبيا ملفًا مرتبطًا مباشرة بأمنها القومي.
وفي 6 سبتمبر 2026، التقى وزير الخارجية المصري نظيره التونسي في القاهرة، وأكد الطرفان رسميًا خصوصية العلاقات المصرية–التونسية وتطورها المستمر.
وهذه النقطة مهمة جدًا: إذا كانت هناك «خطة مصرية لعزل تونس»، فإن الوقائع الدبلوماسية العلنية الحالية لا تثبتها.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بالتصريحات.
السؤال الأهم هو ماذا يحدث على الأرض؟
هل تتغير طرق التجارة؟
هل تتجه الاستثمارات الإقليمية بعيدًا عن تونس؟
هل تتحول ليبيا إلى مجال نفوذ تتقاسم التأثير فيه قوى أكبر، بينما يصبح الدور التونسي ثانويًا؟
هل تستطيع تونس المحافظة على موقعها كممر تجاري وسياحي واقتصادي بين أوروبا وليبيا والجزائر؟
وهل تمتلك تونس أصلًا استراتيجية واضحة للتعامل مع التحولات الجديدة في المنطقة؟
هناك أيضًا عامل آخر لا يمكن تجاهله: التنافس على الطاقة والبنية التحتية والموانئ والطرق التجارية.
فالمنطقة لا تتحرك سياسيًا فقط. هناك سباق على مشاريع الطاقة، الربط الكهربائي، الغاز، الموانئ، المناطق اللوجستية والاستثمارات. ومع دخول قوى خليجية وتركية وأوروبية وصينية على خط شمال أفريقيا، أصبحت الجغرافيا الاقتصادية جزءًا من الجغرافيا السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح تونس أمام خطر مختلف عن «الحصار» التقليدي.
ليس المطلوب إغلاق الحدود أمامها.
يكفي أن تتحول الطرق التجارية إلى مكان آخر، وأن تتجه الاستثمارات إلى موانئ أخرى، وأن تصبح ليبيا مرتبطة اقتصاديًا بمراكز إقليمية أخرى، وأن تفقد تونس تدريجيًا موقعها في سلاسل الطاقة والنقل والتجارة.
هذا هو الحصار الناعم.
حصار لا يحتاج إلى جندي واحد.
ولا يحتاج إلى بيان عدائي.
ولا يحتاج حتى إلى خصومة سياسية معلنة.
فقط يحتاج إلى أن تتحرك المنطقة أسرع من تونس.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس ليس: «هل مصر والجزائر تستهدفاننا؟»
بل السؤال الأكثر جدية هو:
هل تتحرك تونس بالسرعة الكافية لحماية مصالحها في منطقة يعاد فيها توزيع النفوذ؟
حتى الآن، الأدلة المتاحة لا تثبت وجود مؤامرة مصرية–جزائرية ضد تونس.
لكنها تكشف شيئًا آخر أكثر أهمية: مصر والجزائر تتحركان، ليبيا تتحول، وموازين القوى الإقليمية يعاد ترتيبها.
وفي السياسة الدولية، لا يكفي ألا تكون مستهدفًا.
أحيانًا، يكفي ألا تتحرك… لكي تجد نفسك خارج اللعبة.
ES
HE
SFR
AR
EN